School of Sufi Teaching

مدرسة التربية الصوفية

الطرق النقشبندية والمجددية والجشتية والقادرية والشاذلية

Support the Sufi School
Sufi School is a non-profit charity involved in creating awareness about Sufism and providing authentic Sufi teachings to sincere seekers.

All the teachings are given free of cost and students are not charged for attending our weekly gatherings for teaching, mentoring, discussions and group practices.

Our activities are carried out through voluntary donations. We request you to donate generously to support our work. Any amount of donation to help us to continue this good work will be appreciated and thankfully accepted.

PayPal
Use PayPal to send a donation to the School of Sufi Teaching. You can also add a payment reference.

If you don't have a PayPal account, use this link to make a donation via credit card.

Wire transfer
For transfers in the UK (in GBP) use the details below.

Name: The School of Sufi Teaching
Account Number: 11397222
Sort Code: 40-03-16
Bank: HSBC UK

International transfers
Preferred option for cheap international transfers: Send money to our WISE account.

إفادة شخصية لطالب من شرق أوروبا

لطالما كنت مهتما بالأمور الروحية منذ مدة طويلة حسب ما أذكر. وحيث أنني نشأت في بلاد كاثوليكية في أوروبا، كان اتصالي بالحياة الدينية طبيعيا ولا يمكن تجنبه. تربيت وأنا صبي صغير ككاثوليكي، وكنت مُعرضا لهذا الشكل من المسيحية. وفي صغري كنت ميالا إلى حياة القديسين الكاثوليك، وأصبحتُ صبي المذبح عندما كنت في المدرسة الابتدائية. إلا أن الكهنة المعلمين في حصة الدين لم يثيروا إعجابي كأشخاص ذوي إيمان أو معرفة عظيمة. ولذلك أخذت انطباعا عن أن كثيرا من أعمالهم كانت -في أحسن الأحوال- نوعا من الخدمة لعامة الناس.

ومع المراهقة جاءت فترة التمرد وخروجي عن الكاثوليكية -كما اتضح لاحقا- إلى غير رجعة. ولعدة سنوات كانت اهتماماتي تتأرجح بين دراسة الفلسفة والأديان والانشغال بالحياة نفسها، محاولا اكتشاف نفسي وفهم من أكون. في بلادي في السبعينيات، حدث أن تعرفت على بعض التعاليم الثيوصوفية، وأيضا بعضا من مشتقاتها، مثل تلك المتعلقة برودولف ستينر وأليس بايلي. كانت البلاد في تلك الفترة محرومة تقريبا كليا من أي مؤلفات روحية. يمكن للمرء فقط أن يقرأ عن المسيحية، أو ربما شيئا عن البوذية والزن واليوغا. لقد كان نظام الحكم الشيوعي الذي كان يحكم البلاد منذ الحرب العالمية الثانية لا يسمح بأي مؤلفات بديلة، أو تجمعات عامة لمثل هذه الجماعات. بكلمة من الفم، قد يأتي المرء على اتصال بجماعات دراسية صغيرة مختلفة أو بأفراد يمتلكون مكتبة خاصة أو تمكنوا بطريقة ما من إحضار كتب (أو بالأحرى تهريبها) من الغرب. وبتأثري بما كان متاحا في بولندا في ذلك الوقت، بدأت اهتماماتي تميل أكثر وأكثر نحو الغامض والباطني السري- وقد درست كل ما أمكنني أن أجده عن هذه الموضوعات.

إن سفري إلى الغرب في عام ١٩٨٠ -أولا إلى إنجلترا ثم انتقلت إلى استراليا- فتح لي إمكانيات كبيرة. بالإضافة إلى اهتماماتي السابقة، أصبحتُ منغمسا بعمق في أفكار “العصر الجديد” التي عمّت كل الأرجاء. ولكن مع كل الدراسات الفكرية أو “أعمال الرأس” التي سعيت نحوها ظل قلبي غير مكتف. استمر إعجابي بالدراسات الثيوصوفية والعصر الجديد إلى أن تعرفت على التصوف.

في أواسط الثمانينات، أرسل لي أحدهم كتابا أذهلني كثيرا. كان الكتاب هو رحلات مع معلم صوفي لإدريس شاه. فبدأت أقرأ أكثر في كتب شاه، وشعرت بأن هذا هو ما أبحث عنه. كلما قرأت أكثر عن التصوف كلما كنت أضرب على الوتر الحساس.

إلا أنه كان هناك تحد واحد فقط. حيث كانت كل الكتب الصوفية التي قرأتها تقول شيئا واحدا – يحتاج السالك في هذا الطريق إلى مرشد روحي. وكان هذا خروجي عن أفكار العصر الجديد المألوفة عندي- وهي أن بإمكان المرء أن يقوم بكل شيء بنفسه على نحو كامل وبدون أي مساعدة خارجية ناهيك عن أي مساعدة من “العلي”. ولكن أين يمكن أن يتوجه المرء ليجد معلما؟ إن الكتب لا تأتي مع معلم، ولذلك كان علي أن أبحث عن واحد أو أن أنتظر. ولأنني عجول بطبيعتي، اخترت الخيار الأول.

إلا أن بحثي لم يقدني سوى إلى مزيد من الإحباط. خلال بحثي عن صوفيين، التقيت بجماعات كثيرة ممن يسمون أنفسهم “صوفيين”، غير أني عندما تعرفت عليهم أكثر اتضح لي أن أعضاء الجماعة يتصرفون -على نحو متوقع- كطائفة دينية. كما أن هذه الجماعات كانت أيضا في الغالب تحتوي على شيء من أفكار العصر الجديد المعروفة والتي نمت بسرعة خلال العصر الماضي أو نحوه. ما الفائدة من الانضمام إلى طائفة أخرى من طوائف العصر الجديد؟ وجدت بأن هذه الجماعات كانت ضبابية ومبهمة -كانوا يتحدثون طوال الوقت عن “الأديان العالمية”، وعن “أن تكون روحيا”، أن يكون لك اسم روحي، عن الحيوات السابقة، وعن النباتية، وفي الغالب كانوا يمجّدون قادتهم والمؤسسين. كما لاحظت أيضا افتقارهم التام للالتزام بأي مبادئ أو قواعد، أو اتباعهم لأي دين قائم- وأعترف أن هذا كان هو الشيء الذي جذبني نحوهم في البداية، لكن ليس لوقت طويل. وسريعا ما وجدت أنها لا ترقى لإعجابي، وشعرت بأنه لا علاقة لها بالتصوف الحقيقي.

لحوالي عشر سنين كنت أبحث عن مرشد روحي حي، شخص محسوس، وليس مرشدا غامضا من الثيوصوفية يعيش في شيء من الجبال النائية. إلا أن هذا البحث كان صعبا بحق. ولقد شعرت بطبيعة الحال بالحماسة الشديدة عندما سمعت في يوم ما في أوائل التسعينيات أن معلما صوفيا سوف يزور ملبورن في أستراليا حيث كنت أعيش في ذلك الوقت.

التقيت بحضرة الشيخ آزاد رسول في أحد ضواحي ملبورن حيث كان يقيم بينما يزور بعضا من طلابه الأستراليين. وفي الوقت الذي التقيت فيه بالشيخ لأول مرة، كنت أعرف بعض الشيء عن الصوفية، أو بدقة أكثر كنت أظن أنني أعرف. كنت أمتلك قدرا معينا من المعرفة المكتبية من بعض أشهر الكتّاب في الموضوعات الصوفية. إلا أنها كانت معرفة نظرية وسطحية إلى حد كبير- كما أدركت لاحقا. في ذلك الوقت أيضا، كنت مملوءا بتصورات مسبقة، كنت مغرورا وممتلئا بشعور مبالغ بأهمية نفسي، وكنت مفرطا في الاعتداد برأيي حول ما ينبغي أن تكون عليه الروحانية وما ينبغي ألا تكون، ناهيك عن ذكر أفكاري المسبقة عن كيف ينبغي أن يبدو الشيخ الصوفي.

لم يكن لقائي الأول بحضرة الشيخ “حبا من أول نظرة” أو تجربة هائلة مثل تلك التي قرأت عنها فيما يسمى بالأدب الروحي. لم يتمسك بي الشيخ من أقدامي، ولم يخدعني بأي طريقة، ولا أبدى لي أي اهتمام خاص. لم يكن الشيخ شخصا شرقيا غامضا يتكلم بالأحاجي أو يلمح إلى أشياء فوق الوصف. كان رجلا عاديا وطيبا كبيرا في السن، أجاب عن أسئلتي من أجلي. كان يبدو عاديا، أو بالأحرى عاديا جدا. إلا أنني وجدت انطباعا واضحا جدا بأنه كان معلما صوفيا حقيقيا، ولكن لعله ليس معلمي.

وفي ذلك الوقت، كنت قد أزمعت أمري ووضعت الترتيبات للسفر إلى أمريكا الشمالية للقاء بشيوخ صوفيين آخرين. وقبل أن أغادر، ذهبت لرؤية الشيخ مرة أخرى. علّمني أن أوجه انتباهي نحو أول لطيفة (مركز للوعي)، وأعطاني توجها قلبيا (١). لم أكن قد سألته ذلك إلا أنني في الوقت ذاته لم أمانع. أعتقد بأنني تأثرت نوعا ما بالتوجه القلبي الذي تلقيته، لكنني لم أكرس نفسي بعد ذلك للتمارين التي علمني إياها بالجهد الذي ربما كان ينبغي علي. بعد كل شيء، كنت في سعيي نحو “شيخ صوفي عظيم” ولم أكن أملك أدنى فكرة أنني قد التقيته بالفعل.

في بدايات عام ١٩٩٤ خرجت في رحلة، أولا إلى الولايات المتحدة ومن ثم إلى كندا. تعلمت من أشهر الكتب الصوفية التي كنت أقرؤها أن للصوفيين نوعا من الاتصال بالإسلام، ولكن لم تكن هذه العلاقة واضحة جدا بالنسبة لي. وهكذا كنت أبحث عن تصوف عالمي أكثر- تصوف غير إسلامي مهما يكن (حيث إني كنت أخشى أي نوع من الدين والإسلام على وجه الخصوص)، ولكن من جهة أخرى ينبغي ألا يكون من نوع العصر الجديد أيضا.

إلا أن لقائي الأول بـ”الصوفيين” في الولايات المتحدة كان خيبة أمل كبيرة. كان المعلمون الصوفيون الذين التقيتهم أو أقمت معهم يفتقرون إلى شيء حقيقي متعلق بهم. على الأقل هذا ما بدا لي. ولكوني عارفا إلى حد كبير بأفكار وجماعات العصر الجديد فإني أدركت بعض التشابه مع هذه الجماعات في كل المؤسسات الصوفية تقريبا التي تعرفت عليها في الولايات المتحدة. كان هناك الكثير من الكلام، وشيئا من الخلط بين علم النفس الحديث والمصطلحات الشرقية، وبعض التأمل، ومحاولات للشفاء، وبالطبع لم يكن هناك دين. كان الأفراد الذين ينجذبون لتلك الجماعات في العادة من النوع العاطفي مع شيء من الميول الفكرية، وكانوا يركزون على هذا الجانب من التصوف أو ذاك. كان بعض هذه المؤسسات هي ذاتها تلك الطوائف التوفيقية التي كنت إذ ذاك عارفا بها جيدا، ذلك النوع الذي يمتدح كل الأديان لكنه لا يتبع أي دين.

بدا أن كثيرا من أولئك المعلمين الصوفيين لم يكونوا يقومون بأي عمل من أجل المعيشة. كان كلهم يقولون بأن التصوف كان قبل الإسلام وأنه مستقل عنه. وكانوا يعطون الانطباع بأن التصوف “أفضل” من أن يكون إسلاميا. لقد سمحت لي هذه الرحلة التي استمرت لعام أن ألقي نظرة قريبة على كيف يفسر الغربيون التقاليد الشرقية، وبأي الجوانب يهتمون أكثر. بدت كل التعاليم التي واجهتها ممزقة- اختاروا أن يتجاهلوا بعضا أو جانبا من التصوف حسبما يرونه مناسبا. بالنسبة لي، بدا هذا متناقضا من أولئك الذين عادة ما يمتدحون فكرة “أن تكون كليا”. هذا الشكل الغربي من التصوف ذكرني بالأسلوب الغربي لليوغا والذي لا يتألف من شيء سوى كثير من تمرينات شد العضلات. وهنا في حالة التصوف، كانت بالأحرى حالة من الشد الذهني والفكري، ولكن من دون جوهر يذكر.

كانت كل رحلتي إلى الولايات المتحدة نوعا من المرآة، وانعكست أمامي أفكاري الخاصة وتصوراتي المسبقة عن التصوف مثل رسم كاريكاتوري. وبعد عام واحد، عدت إلى ملبون خائب الأمل ومثبط العزيمة، وربما أكثر تواضعا قليلا.

وبعد بضعة أشهر من عودتي إلى ملبورن دعاني مسؤول الجماعة الخاصة بمدرسة التربية الصوفية لأن أنضم إلى حلقة المراقبة مرة أخرى، وأخبرني بأن الشيخ سيأتي لزيارة أخرى لمدينة ملبورن قريبا. كما أعطاني أيضا عددا من الكتيبات التي تحتوي على نصوص جلسات الأسئلة والأجوبة مع الشيخ. أذهلتني هذه الكتيبات وتمكنت فعلا من تقييم تعاليم الشيخ بشكل أفضل. وجدت بأنها محملة بالمنطق السليم وكانت بسيطة بشكل غير عادي. لقد انسجمت محتويات الكتيبات معي بطريقة ما فقررت أن ألتقي الشيخ مجددا على أمل أن أتعلم أكثر.

ولاحقا عقب هذا، ذهبتُ لأراه مجددا. حيّاني الشيخ بكل طيبة كما العادة، وكان مهتما بتجاربي في الخارج. هذه المرة وجدت نفسي أكثر تواضعا وأكثر انفتاحا على الشيخ وعلى كل الإمكانات المكنونة في هذا اللقاء. فأظهرت رغبتي في أن أتابع التمارين أكثر، وأعطاني الشيخ مزيدا من التمارين والتوجهات (١).

ثم اتضح لي أن المجلس الثاني أو الثالث في حضرة الشيخ -لدهشتي- كان تجربة إصلاحية. تأثرت بالتوجهات القلبية بشكل أبعد من أي شيء توقعته. ولاحقا بعد هذه التجربة سألت الشيخ أن يقبلني كتلميذ عنده. أصبحت مريدا، تلميذا في الطريق الصوفي.

ما هذا الوعي النامي بالإصلاح والتغيير الداخلي الذي كانت تعاليم الشيخ تبثه فيني؟ وقد يسأل المرء على حد سواء، ما نوع التجربة التي تغيّر مسار الحياة البشرية؟ إن وصف عملية الإصلاح الداخلي (٢) ليس صعبا فحسب، بل إن هذه الأوصاف ستؤدي فقط إلى تشويه أعماقها وجعلها تبدو تافهة، وكثيرا ما تجعلها موضعا للتهكم من قبل الساخرين. وعلى الرغم من ذلك، مهما قلت بخصوص هذه التجارب عليّ أن أقول شيئا واحدا وهو أنني شهدت شيئا حقيقيا وعميقا. شيئا حوّل حياتي إلى اتجاه آخر.

إن أول الحقائق التي أدركتها هي حقيقة أنني كنت أعيش لأجل الإيغو، لأجل نفسي، لما يقرب ٤٠ عاما، ولكني الآن أرغب في أن أقضي حياتي لأجل الرب وفي طريقه، وليس لأن أستمع إلى مطالب النفس ونزواتها المستمرة.

إن مشاهد الحقيقة متنوعة بقدر تنوع الناس في هذا العالم. يمكن أن يظهر “الفضل الإلهي” بآلاف الطرق. وسرعان ما يتعلم تلميذ التصوف أنه من الأفضل غالبا ألا يخبر عن تجاربه الباطنية الخاصة، لأن التجارب الباطنية تكون دائما مختلفة من أشخاص لآخرين. إن الحديث عنها يكون -بطريقة ما- لأجل التأثير في السامع، ولأجل أن يخلق فيه أو فيها نوعا من التوقعات لحصول تجارب مشابهة. إلا أن التجربتين لن تكونا أبدا متطابقتين. نحن كلنا كائنات فريدة، وشهودنا للإله هي تجربة فريدة أيضا. ورغم أن الصوفي قد يكون في الداخل “سكرانا” إلا أنه يكون واعيا في الخارج. وعلى الرغم من أن الصوفيين يعرفون ويفهمون الحالات الباطنية لبعضهم بعضا إلا أنهم في الخارج لا يصرحون أبدا بهذه المعرفة إلا في أندر الظروف. إنهم يفضلون ألا يجذبوا الانتباه إليهم بإظهار الدلائل على حالاتهم وقواهم الباطنية التي لا يكون الرجل العادي منفتحا عليها.

في الطريق الصوفي، يمكن للتلميذ أن يروي عن تجاربه الباطنية وعن الرؤى والأحلام لمرشده الروحي فقط. ولا يمكن سوى لشيخه فقط أن يفهم ويفسر هذه التجارب.

لقد كان الأثر المباشر للتجارب الإصلاحية التي مررت بها هو تفطن للعلاقة بين الإسلام والتصوف. أصبحت هذه العلاقة بالنسبة لي واضحة إلى حد كبير، بل وجلية. شعرت كما لو أن العرفان الإسلامي (المعرفة بالله) انفتح أمامي. أصبحت معاني القرآن والكتابات الصوفية القديمة أكثر وضوحا ومفهومة أكثر. وكذلك كان عندي انطباع بأن بإمكاني أن أصل إلى -بطرق تصعب على الشرح- ثروة لا تعد ولا تحصى من العرفان الصوفي – وهو المعرفة بالله التي لا يمكن سوى لسلسلة مباركة (سلسلة توجهات الشيوخ) أن تمنحها. شعرت بأنني متصل بهذه السلسلة من الأولياء الأجلاء من النقشبندية والسلاسل الصوفية الأخرى التي دائما ما تتلاقى في نقطة ما.

الخيمياء الذي درسته لسنوات أصبح اليوم حقيقة أكثر من مجرد رمز أو صورة فارغة. بإمكاني في الحقيقة أن أشهد بنفسي أنه في حضرة الكبريت الأحمر -الشيخ- فإن هذا التحويل ممكن وبشكل ظاهر. إن التحول يمكن أن يحدث فقط بواسطة “وسيط” أو شيء أعلى وأعظم وأسمى بالمقارنة مع الشيء المراد تحويله، والذي بدونه سيبقى ذلك الشيء دون تغيير إلى الأبد. وبالمثل، للباحثين عن الحقيقة، لا يمكن أن تأتي المساعدة الحقيقية إلا من شخص قد بلغ نهاية الرحلة.

وأثرٌ آخر للإصلاح هو فهم أفضل لقيودي الشخصية وتقصيري وعيوبي. فهمت أخيرا لماذا من الضروري صحبة مرشد في الطريق. وأجد هنا أنه من المناسب تسليط الضوء على بعض الأفكار فيما يخص الظاهرة التي تدعى “العصر الجديد”. إن المؤيدين لهذه الأيدولوجية يجزمون بأنه بوسع الإنسان أن يستعيد إمكانياته ويحقق أي شيء بنفسه. وهكذا يصبح الإنسان سلطانه الخاص، وتصبح نفسه (الإيغو) هي “ربه”. وليس من غير الشائع في مثل تلك الحلقات أن تسمع عبارات مثل “نحن كلنا آلهة”. ولكن برفض الإله الواحد المتعالي فإنهم يقطعون العلاقة مع التجلي الملازم والحقيقي لله في الإنسان. ولذلك فإن رجل العصر الجديد يجد نفسه في طريق مسدود، محاصر بأيدولوجيته الخاصة- المحدودة والتي تحدُّه.

إن الرجل الذي يحاول أن يرفع نفسه بسحب شعره للأعلى يواجه مهمة بطولية لكنها مستحيلة. إن النفس البشرية (الإيغو) لا تملك إمكانية أن تحوّل نفسها لأبعد من حدودها. كما لا يمكن لنفس بتأثيرها على نفس أخرى أن تحصد أي نتائج ولا أن تغيّر كل الإنسان (الإيغو وكل الأشياء الأخرى التي تكوّن الإنسان). ولكن العصر الجديد مهووسة بمواضيع الإيغو وإمكانياتها ولا شيء آخر. وبالرغم من أنها قد تطلق عليها أنشطة “روحية” أو “وراء الشخصية” إلا أنها مقيدة بالإيغو.

لقد أدركت هذه الحقائق عندما أعطاني صلاحي الشخصي فكرة عن الإمكانات الهائلة المتاحة للإنسان عندما يخطو وراء الإيغو. أدركت بأن العصر الجديد ومثل تلك التي يطلق عليها بالجماعات الغامضة والتي كنتُ أتغزل فيها لعدة سنين هي كلها أشكال منحلّة من العلوم الباطنية الحقيقية. كل الطوائف الغامضة أو التوافقية التي كثرت في هذه الأيام وهذا العصر تحاول أن تقلّد الطرق الباطنية الأصيلة. ولكن عندما يحاول المرء أن يتّبع واحدة من هذه النسخ فإنها تفشل في توجيهه إلى أي مكان.

لقد كان كل الأنبياء وكثير من الأولياء من كل الأديان- أو دعنا نقل رجال الله- يملكون قوى معينة إلا أن هذه القوى لم تنبع أبدا من الجانب المادي من الحياة -أي الصورة- أو من أنفسهم. إنما أتت هذه القوى من الذات الإلهية. يرتبط الصوفيون في العادة بكثير من القوى غير العادية مثل التخاطر والتنقل والقدرة على التنبؤ بالمستقبل وإزالة الطابع المادي والقوى الشفائية وغيرها، إلا أن الصوفيين هم أول من يعترف بأن هذه القوى التي يمتلكونها هي كلها تجليات للإرادة الإلهية وليست من عندهم. وهي عطايا إلهية وليست شيئا زهيدا مثل القوى الغامضة المكتسبة من خلال أداء بعض التمرينات. إن كل المحاولات -عمدا وبوعي- للحصول على هذه القوى هي في النهاية ليست سوى محاولات لتقليد القوى الإلهية أو اغتصاب عرش الإله. إن الرغبة في هذه القوى ينشأ من الإيغو، وإن تطوير هذه القوى عمدا هو أيضا لأجل تقوية الإيغو وبهذا تتسع الفجوة بين الإنسان والإله.

كما أكدت تجاربي الأخرى في الطريق الصوفي على أصالة الشيخ ودوره الفعال. على الأقل في حالتي أنا، تُرجمت كثير من تجاربي إلى جوانب أخلاقية في كوني على الطريق. وهنا لاحظت بعض الاختلاف بين النسخة الغربية من التصوف والتي درستها إلى حد معين سواء كانت تلك التي في أوروبا الغربية أو كاليفورنيا حيث الجميع أحرار لأن يخلقوا قواعدهم الخاصة حول كيفية إقامة الحياة، كما هو الحال عند جماعات العصر الجديد. لم يساوم الشيخ أبدا على أي من الجوانب الأخلاقية في حياة الطالب. نحن كلنا ملزمون بالعمل وتحمل مسؤوليات أسرنا والعيش في المجتمع وألا نهمل واجباتنا اليومية إلا أنه في الوقت ذاته نلتزم بتخصيص بعض الوقت يوميا لأداء الدروس- وكله تبعا للقاعدة الصوفية: أن نكون في الدنيا ولسنا منها. يمكن أن يصبح العالم أفضل عندما نصبح نحن أشخاصا أفضل. حتى ذهب بعض الصوفيين بعيدا للقول بأن التصوف إنما هو منظومة للفضيلة (٣).

وعلى الرغم من اتباعه لما يبدو للرجل الغربي المحب للحرية أنها قواعد سلوك صارمة، يبقى الشيخ نفسه شخصا مبتهجا وصبورا وطيبا وبسيطا للغاية. لم أسمع قط الشيخ يوبخ أو ينتقد أي شخص، وعندما يريد أن يوصل الدرس فإنه يستخدم القصة أو الحكاية الرمزية لتوضيح المعنى دون مواجهة الشخص المعني. إن طريق الرجل الصوفي لطيف لكنه فعّال.

لقد أعطتني زياراتي اللاحقة للشيخ في مقر إقامته في الهند رؤية إضافية وبعدا إضافيا لما هو التصوف حقا. يتمتع الصوفيون في الهند -بخلاف بعض الدول الإسلامية الأخرى- باحترام كبير ليس فقط بين المسلمين أنفسهم ولكن بين أتباع الديانات الأخرى. تزدهر الأضرحة -وهي أماكن دفن الأولياء الصوفيين العظماء- بالحياة ويحضرها الآلاف من الناس كل يوم من مختلف المشارب والخلفيات الدينية. يمكن للمرء أن يرى هناك مسلمين وهندوس وسيخ، وأحيانا بعض الغربيين الفضوليين، فلا تهم الاختلافات الدينية ولا العرقية عندما يزور المرء قبر ولي صوفي.

خلال الزيارات الجماعية لخانقاه الشيخ (المركز الصوفي) في الهند، يشعر كل فرد في الجماعة بأن الشيخ يهتم حقا بطلابه مثل أب. الضيافة شيء ولكن هناك أيضا شعور بالأمان والحماية من قبل الشيخ؛ الحماية الجسدية، والأهم من ذلك الحماية الروحية أيضا.

خلال كل الوقت الذي عرفت فيه الشيخ لاحظت أنه لم تكن هناك أي مسائل متعلقة بالتمويل. لم يكن هناك رسوم على التدريس، وحتى أثناء الإقامة في الخانقاه لم يكن هناك ذكر للمال فيما عدا الصدقة الإسلامية العادية أو الهبات التطوعية. لم يكن الشيخ يطلب أبدا من أي شخص مالا ولا حتى أي شيء آخر. وبحسب الأعراف عند الصوفيين يعيش الشيخ من حصيلة عمله وليس من عمل طلابه. ذات يوم اقتربت من الشيخ معلقا على سرعة بنائه للخانقاه. ابتسم الشيخ وقال إن الأمر في الحقيقة أخذ منه ٢٥ عاما لبناء الخانقاه ولم يكن لديه داعمين. كان يدعو فقط ويطلب المعونة من الله. ثم مُنح المعونة ببطء ولكن بيقين.

وشيء آخر لاحظته على الشيخ أنه لا يبحث أبدا عن قادمين أو طلاب جدد، ويشدد دائما على أن غاية التصوف -على الأقل هذا الذي يدرّسه- هو إيقاظ الإنسان لقرب الله وحضرته. التصوف ليس حراكا ولن ينجذب إليه إلا القليل. وأقل منهم من سوف يبلغ نهاية الرحلة. كلما كنت مع الشيخ كان هناك غياب ملحوظ وواضح لأي روح تبشيرية أو طابع تبشيري.

مع الأخذ في الاعتبار العدد المتزايد للطلبة الغربيين أنشأ الشيخ بموافقة من شيخه “معهد البحث عن الحقيقة” والذي يعمل بمثابة طريقة صوفية تقليدية ويقوم على أساسها. وبالحديث عن دور الصوفية اليوم يؤكد الشيخ على أن الصوفيين ليسوا رهبانا تأمليين محبوسين في داخل الدير. الصوفي حاضر دوما في هذا العالم، أو لنكون أكثر دقة فهو حاضر في كلا العالمين، محاولا التوفيق بين الخارج والداخل. إن غاية كل إنسان هو أن يصبح “الإنسان الكامل”.

لطالما حاول الصوفيون تاريخيا تهيئة الظروف المثلى للتطور الروحي للإنسان وعودته إلى خالقه. يحاول حضرة الشيخ آزاد رسول وعلى الرغم من تقدم عمره أن يزور بعضا من حلقاته في أوروبا وأمريكا وأستراليا على الأقل مرة واحدة في السنة. خلال هذه الزيارات يقضي الشيخ ساعات طويلة في محادثات خاصة مع طلابه، ويلتقي بالعديد من المنضمين الجدد. لا يلقي الشيخ أي خطب ولا يحاول جمع الحشود ولكنه يتمكن بطريقة ما من التأثير في الأشخاص الذين يرونه من خلال حضوره وبفضل كيانه الداخلي.

إن التربية الروحية مع الشيخ هي تربية عملية وتجريبية. ليس هناك نظريات لنؤمن بها ولا قوائم للقراءة موصى بها ولا تأملات فكرية يجب القيام بها. عندما يقرر الشخص البدء في الدروس فمن المتوقع منه أن يتمها بكل إخلاص، وإلا فلن يكون للتمارين الأولية أي تأثير. لقد لاحظت منذ سنوات العديد من الأشخاص الذين اختاروا أن يكون همهم الرئيسي هو التسوق المستمر من نوافذ السوق الروحي دون الانخراط بجدية في علم واحد. ولطالما شدد الصوفيون على أنه يجب على المرء أن يحفر في بقعة واحدة للوصول إلى المياه العميقة وإلا فإنه سينشغل بحفر الكثير من الثقوب الصغير في الأرض لكنه لن يجد الماء أبدا. وكما يقول الصوفيون “لا يمكن للمرء أن يبحر في زورقين في آن معا”.

أود أن أنهي هذه الإفادة القصيرة بملاحظة متفائلة وبكلمات مبهجة لكل الباحثين عن الحقيقة. اليوم في عالم سريع التغير ومليء بالتوتر والاضطراب وانعدام الأمان إلا أن التربية الروحية الأصيلة موجودة كما كانت دائما. إذا دعا المرء بإخلاص كاف ورغب من كل قلبه فإنه يمكن أن يُمنح شرف العثور على مرشد روحي حقيقي، شخص يمكنه أن يأخذنا إلى نهاية رحلتنا.

———————————

١. التوجه هو عملية يقوم من خلالها الشيخ بالتأثير على التلميذ بواسطة حالته الباطنية.

٢. إن عملية الإصلاح مشابهة كثيرا للعملية الخيميائية لتحويل المعدن الأساس إلى ذهب في وجود الكبريت الأحمر. هذا التشبيه ليس رمزيا فحسب، بل واقعيا أيضا. في حضرة الشيخ وبفضل “الفضل الإلهي” يُرفع المرء من حالته الساقطة إلى الحالة التي هي مصيره الحقيقي وحقه منذ الميلاد. كل شيء هو دائما مشيئة الله وعمل الله. والإنسان مجرد أداة.

٣. علينا أن نفرق بين الفضيلة الروحية الحقيقية عن تلك المسماة بالوعظ الأخلاقي.

Total
0
Shares
الخلف

إفادة طالب مسلم في بريطانيا

التالي

سيرة حياة الشيخ المولوي محمد سعيد خان

المنشورات ذات الصلة
قراءة المزيد

إفادة شخصية لطالبة من باكستان

طفلة في الخامسة من العمر تحدق بعمق في سماء الليل مندهشة من الأنوار السماوية، تتساءل عن أحد ما هناك في الأعلى- أحد كله محبة. كانت هذه أنا، ومثل أي طفل آخر كان لدي أنا أيضا قلب بريء، ولم يكن خيالي…
قراءة المزيد

إفادة شخصية لتلميذ شاب يعيش في المملكة المتحدة

كان أول اتصالي مع التأمل من خلال صديق مقرب في الجامعة كان يمارس نوعا من تأمل اليوغا. وجدت بأن التأمل يفيد مزاجي وكان له تأثير مهدئ علي، كما استمتعت بالقيام بهذه التمارين سرا في الغالب. ومع ذلك، لم أستطع تقبل…
قراءة المزيد

إفادة شخصية لطالب من إنجلترا

عندما كنت طفلا صغيرا كنت مغرما بـ”الطبيعة”. كان حبي هو الأشجار والحقول والبحر والمنحدرات وسماء إنجلترا وويلز. كنت أحب التجول والاستكشاف – كنتُ “الفتى الذي يتعبّد عند البحر”. وحين صرت مراهقا أصبحت شابا جادا ورصينا إلى حد ما، غير راضٍ…
قراءة المزيد

إفادة شخصية لطالبة من باكستان تعيش في لندن

إنه لشرف كبير أن أكون جزءا من هذه الجماعة الروحية المذهلة. أنا مسلمة بالميلاد، لكن لطالما عانيت من الضغط الثقافي. الثقافة هي المهيمنة أكثر بكثير من الدين في البلد الذي أتيت منه. في بحثي عن الحقيقة وعن الله جربت كل…